الأتراك يناورون في مواجهة العقوبات الأميركية

اسطنبول – فراس سعدون
نقلت شاشات التلفزة التركية، الجمعة، تصريحات وزير الخارجية، مولود جاووش أوغلو، من سنغافورة عقب اجتماعه مع نظيره الأميركي، مايك بومبيو، على هامش اجتماع وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، بعد يومين فقط من فرض الولايات المتحدة عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين لتحميلهما مسؤولية حبس ومحاكمة القس الأميركي، اندرو برانسون، في ولاية إزمير، على خلفية اتهامات خطيرة بينها التجسس، ودعم تنظيمي العمال الكردستاني وغولن، والتورط في محاولة الانقلاب العسكري عام 2016.

اجتماع وزيري الخارجية
وذكر جاووش أوغلو أن اجتماعه مع بومبيو كان بنّاء، وفيما استبعد إمكان حل جميع القضايا الخلافية في اجتماع واحد، أكد أنهما سيتخذان خطوات لتسوية الخلافات لدى عودتهما إلى بلديهما.
وجدد الوزير التركي تذكير بومبيو بأن لغة التهديد والعقوبات لن تحقق شيئا، لكن بومبيو بدا حازما من جانبه حين نقلت قنوات التلفزة تصريحه بأن الولايات المتحدة نبهت تركيا إلى أن “الوقت نفد وحانت لحظة إعادة القس برانسون”، متابعا بشأن العقوبات “أرجو أن يدركوا أننا جادون جدا في واحدة من القضايا الكثيرة العالقة بيننا”.
وأدت العقوبات إلى تراجع سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار الأميركي إلى أكثر من 5 ليرات مقابل الدولار الواحد وهو رقم قياسي غير مسبوق يزيد من غلاء الأسعار والتضخم في السوق التركية.
وتطالب الولايات المتحدة بإطلاق سراح برانسون إلى جانب 3 موظفين يعملون في بعثتها داخل تركيا بعد أن احتجزتهم السلطات التركية بتهم متعددة بينها “دعم الإرهاب”.

المواقف التركية
وخلفت العقوبات الأميركية موجة رفض وغضب في الأوساط التركية المختلفة.
وأصدرت أربعة من أصل خمسة أكبر أحزاب سياسية في تركيا بيانا مشتركا، داخل البرلمان، رفض العقوبات الأميركية، وعدّ الرد عليها حقا أصيلا في إطار مبدأ المعاملة بالمثل، في حين لم يحمل البيان توقيع حزب الشعوب الديموقراطي المدافع عن “القضية الكردية”.
واعتبرت أحزاب العدالة والتنمية، والحركة القومية، والشعب الجمهوري، والجيّد، أن العقوبات تفاقم المشاكل الثنائية، في وقت ذكّرت فيه الولايات المتحدة بأنها تحمي فتح الله غولن، المتهم بتدير محاولة الانقلاب، وتدعم التنظيمات المسلحة المعادية لأنقرة، وتحاول إضعاف كيان الجمهورية التركية.
وبادرت منظمات تركية مختلفة لإدانة العقوبات الأميركية.
وسجّل مجلس الأعمال التركي الأميركي احتجاجه على العقوبات ووصفها بأنها غير مقبولة، داعيا الرئيسين التركي والأميركي إلى إعطاء الدبلوماسية فرصة من أجل إعادة علاقات البلدين الشريكين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) إلى مسارها الصحيح، خصوصا وإنها المرة الأولى التي تفرض فيها الولايات المتحدة عقوبات ثقيلة على حليف في الناتو.
وتؤخذ المواقف الحاسمة في قضايا السياسة الخارجية الحساسة من لسان الرئيس رجب طيب إردوغان، لكن إردوغان لم يصرح، في أعقاب فرض العقوبات، حتى عصر الجمعة (3 آب)، على الرغم من ظهوره العلني قبل يوم، وترؤسه اجتماع مجلس الشورى العسكري الأول من نوعه بعد تشكيل حكومة إردوغان في إطار النظام الرئاسي.
وعقد إبراهيم كالن، المتحدث باسم إردوغان وكبير مستشاريه في السياسة الخارجية، مؤتمرا صحفيا عقب اجتماع مجلس الشورى العسكري، من دون أن يذكر أي شيء بشأن العقوبات الأميركية.
ورأى مراد يتكين، المعلق السياسي التركي المخضرم، أن امتناع إردوغان عن التعليق على العقوبات، بالرغم من تصريحه قبل العقوبات بأن تركيا لن تتراجع، يوضح أن “أنقرة لا تزال تتوقع خروجا مقبولا من الوضع الحالي، وتعطي فرصة للديبلوماسية، وتظن أن هناك مجالا للمناورة”.
ووجه اتحاد نقابات المحامين الأتراك رسالة إلى نظيره الأميركي، ومنظمات دولية معنية، تنتقد تجاهل الولايات المتحدة لسلطة القانونِ ومبادئ العدل.
وتأتي مواقف الأحزاب والمنظمات إلى جوار مشاعر غضب تتزايد في الشارع التركي تجاه الولايات المتحدة وسياساتها.
وقال اسماعيل الطاش، وهو من سكان اسطنبول، لمراسلنا هناك، إن “الولايات المتحدة ليست حاكمة على تركيا كي تفرض عليها عقوبات لأنها لم تطلق سراح محبوس تحاكمه السلطة القضائية”.

وضع القس الأميركي
وأفاد اسماعيل جَم هالافوت، محامي القس الأميركي، الجمعة، بأن القس يشعر بالسعادة مع أسرته، بعدما قررت محكمة إزمير الثانية للأحكام الثقيلة، في 25 تموز الماضي، نقله من السجن إلى منزله وإبقاءه قيد الإقامة الجبرية مراعاة لحالته الصحية.
وأكد هالافوت أنه سيجدد الطلب من المحكمة رفع قرار الإقامة الجبرية عن برانسون، بعد أن واجه طلبه الأول الرفض نهاية الشهر الماضي.
وقضى القس أقل من عامين في الحبس، فيما طالبت النيابة العامة بسجنه 35 عاما استنادا إلى اللائحة المبنية على اتهامه بالتجسس والإرهاب.
ومن المقرر أن تعقد المحكمة جلسة الاستماع التالية لبرانسون في تشرين الأول المقبل إذا لم تطرأ تغيرات على قضيته.
وقضى القس الأميركي أكثر من عقدين من حياته في تركيا قادما إليها من ولاية كارولاينا الشمالية في إطار “مهمة تبشيرية”.