الشاعر المغترب علي خصباك في حوار مع ( واع):  تصور الشاعر للعالم يختلف عن تصور الناقد للشاعر

 

 

جعفر الناصري

هل المكان محل للسكن ام مكان للسلوك؟ وماهي العلامات المميزة لاستيعاب المحيط للكائن؟ كيف يتمكن الانسان من سيطرة المكان على ذاته؟وهل التحرر من فكرة سيطرة المكان على الذات ام الفكر الذي يتحكم فيه ؟وكيف تستقيم ارادة الكائن ان تم اخضاعه للمكان ؟هذه جزء من التساولات التي طال الحديث عنها مع الشاعر والكاتب الصحفي علي خصباك في هذا الحوار الموجز.

*هل الغربة هي المكان الافضل لكتابة النصوص الشعرية ؟

_علينا أولا أن نفرق بين الإغتراب الروحي والإغتراب الجسدي، فالكثيرممن يعيشون في الوطن هم تحت وطأة الشعور بالإغتراب وبالعكس، الغربة هو الشعور بعدم الانتماء للمحيط واحساس قاس بالوحشة ، وباللاجدوى والحنين الى الوطن الأم

أما مايخص الكتابة وتحديدا الشعرفهو عالم لايشبه عالما آخر،وأنا أعجز عن تعريف هذا العالم الذي يختصر الجمال واللذة والسحر ،انه عطر الروح الأخاذ الذي لايحسه ويمسك بتلابيبه إلا من يعيشه وان عاشه فهو عاجز على أن يصفه ،الشعر الحقيقي لا يولد في مكان وليس له زمان ،انه كالاثير يخترق العوالم بسطوة جبارة ويضيف للكون ألقا ويمنحه الحقيقة لأنه قادر على ان يبعث الروح في الاشياء أنى كانت ،لذلك ارى ان الشعر هو خالق للمكان وليس يالضرورة ان تكون هناك سطوة للمكان على الشعر، الشعر هو خالق للمكان.

*كيف تنفصل الذات المبدعة عن المكان , وكيف يتخلص الشاعر من سيطرة فكرة المكان على ذاته ؟

لاأملك تصورا عن هذا الإنفصال مادام المكان هو ذكرى واحساس دائم فانا –مثلا- مازلت اتذكر طفولتي بتفاصيلها والمكان الذي ولدت فيه، ومع ذلك فليس بالضرورة ان تكون قصيدتي عن الطفولة مثلا، ولكن من الجمال ان اكتب باحساس طفل ، ولماذا اصارع فكرة المكان اذا كان حاضرا بذاتي ،انه شعور طبيعي لدى كل انسان وليس الشاعر وحده خاصة اذا كان ذلك المكان محطة تكونت عندها الشخصية ونضجت او لها ذكريات تظل رصيدا للكتابة وربما تستعيد اكتشافها وتجدها منجما يمدك بطاقة كتابية متفردة..وهنا ارجو التفريق بين الاغتراب كمكان وبين المكان الفعلي الذي نعيشه خارج أطارالاحساس بالاغتراب.

*كيف يتمكن الشاعر من استبدال تصوره الشكلي المحافظ للعالم بتصور جدلي نقدي ,تصور يفجر طاقاته بلا خوف او حذر؟

أعتقد ان تصور الشاعر للعالم يختلف عن تصور الناقد للشاعر، فالشاعر يكتب وهو تحت ايحاء فكرة ما ، أي انه لايكتب وفق مدارس النقد لكي ينتظر من الناقد ان يأتي وينظر بحسابات ووفق مدارس اومناهج نقدية معينة ،هكذا أفهم الشاعر وأنا شخصيا يهمني راي وانطباع شاعر ما عن قصيدتي أكثر مما أنتظره من الناقد لأن عالم الشاعر عميق وغير محدود بينما النقد مدرسة لها قوانينها ومدارسها وبالامكان دخولها ، لذلك سميت الشعر عالم والنقد مدرسة ولاشك انك ترى الفرق بين الاثنين …الشعر طاقة متفجرة على الدوام ولاتعرف الخوف وارتباطها مقترن بالروح الشاعرة وهي عندما تخمد فلذلك اسباب منها هو اذا ماحصل تشويه لتلك الروح الزاهدة النقية واستكانت الى الرضوخ او القبول بهجمة هذا التسارع العجيب نحو مايسمى بأدب مابعد الحداثة الذي يريد الأطاحة بكل شئ من أجل حياة لايدري احد ما الى اين تتجه بنا…الشاعر هو الانسان بكل المعاني وانا شخصيا لاأفرق بين الشاعر والانسان، والشاعر الحقيقي هو الثائر الحقيقي الذ ي يبني لاجل الانسان .

*هل تعتقد ان المكان الجديد الذي سيستقر عنده الشاعر مثلا سيحرره من مكانه القديم وهل سيكون هذا التحرر جغرافيا ام اخلاقيا؟

ارى ان الاخلاق ثوابت وان القيم انسانية موجودة في كل زمان ومكان ولاتقتصر على بقعة جغرافية معينة.، وبطبيعة الحال هناك تقاليد مختلفة فتقاليد العراق مثلا تختلف عن تقاليد اليابان وهذا لايمنع ان تمارس تقاليدك ببيئة اخرى ولكن دون ان يكون لها تأثير على تقاليد الاخرين ومعتقداتهم..انا افهم ان التحرر هو عدم المساس بمعتقد الاخر وان تتعايش مع الاخرين وفق هذا الاساس ، والمجتمعات المتقدمة هي من جعلت حرية المعتقد واحترام الاخر هي الاسس التي تم من خلالها الانطلاق والتقدم والازدهار..والشاعر كائن ينزع نحو هذه المفاهيم التي يستطيع من خلالها ان يبدع ويرتقي ويتعايش ويشعر ان له رسالة كما الاخرون الذين يسعون الى ان تكون الحياة اجمل .حياة حرة وكريمة لكل الشعوب.

*هل النفور من الامكنه ام من الفكر الذي يتحكم فيها ؟

دائما مانسمع ان المكان هو الناس، قد يبدو هذا الكلام بسيطا ،لكنه يحمل معان كبيرة وينطوي على فلسفة حقيقة، واذا سألت أي مغترب عن سبب اغترابه لاجابك على الفور بسبب الاوضاع ،بالنسبة للمثقف يسعى الى ان يكون حرا بلا قيود سواء كانت قيودا دينية او سياسية او اضطهاد الرأي واسباب أخرى كثيرة يعرفها الجميع،لذلك كل هذا سيرتبط بالمكان ويصبح المكان ضحية فنحن من يستطيع ان نجعله مثاليا مترفا بالجمال او نجعله عبارة عن سجن كبيروهذا ماينطبق على العراق ولك ان تقارن بين سبعينيات العراق في القرن الماضي وبن عراق اليوم، ولاشك انك سمعت من مثقفين واناس عاديين عن هذه المقارنة وطبعا الاسباب معروفة وهكذا نحن رأينا النتائج بأم اعيننا وكيف صار العراق تضرب به الامثال في حجم الخراب والتخلف والاضطهاد والفساد على المستويات كافة ويحز في نفسي انا كعراقي ان اذكر هذا الكلام .

*هل تاتي اهمية المكان الواقعي في تمايزه عن الذات ام تماهي الذات معه؟

لماذا تكون للمكان ذكرى .؟ لانه حاضنتك الاولى وله تاثير كبير في تكوين شخصيتك..ألم يسألك احد ما من إي بلد انت ؟ او حتى في بلدك الم يسألك احد ما من اية مدينة انت..؟ هذا معناه ان لكل مكان خصوصية وهذه بديهة.، واذا كان الامر كذلك فهذا معناه انه في ذاتك في تصرفك وافعالك وكتابتك، والكلام عن المكان كثير وكثير جدا وبامكانك ان تقرأ كتبا باعداد جمة ودراسات و.و..والكثير الكثير وباشلار ليس بعيدا عن ذلك!