عن الاشباح التي تطارد مهدي علي الراضي

جعفر الناصري

لم يستقر مهدي كثيرا في ارض الوطن رغم غيابه الذي طال قرابة العشرين عاما ولعله  يدرك ان الاشباح التي كان يختلقها لنفسه لم تزل تطارده في كل دهليز مظلم يضيع فيه ،وبين حياته التي تقاسمها مع الحزن وشظف العيش والغربة التي ترافقه في كل مكان، لم يحمل معه الى مثواه الاخير دمشق سوى احلامه البسيطه وامنياته التي كانت مع الريح تجوب العالم بلحظة صمت وهدوء بعد ان رسى قاربه في مدينة لاوجود لها على خارطة العالم لانه كان يعتقد بان الامل للوصول قريبا بعد ان بدأت الاشياء تتضح امامه بصورتها الحقيقية ، فواصل سيره بخطوات واثقة توضح الطريقة الدرامية التي اختارها لنهاية حياته التي  قرر ان يكون فيها  “الضحية والجلاد” في آن واحد كما يسرد ذلك في  روايته ” حفلة اعدام”.

بطبعي … اميل الى العديد من الادباء والكتاب الذين يحملون التجارب والمخاضات النادرة وقد دفعتني تجربة شخصية مع احد الكتاب بفندق بباب المعظم عام (2010) كاد ينهي حياته بطريقة بشعة ولولا ان مقود حظه السيئ كان بيدي لكان قد دخل بسجله الى عداد الادباء الذين قضوا شنقا كأمثال الروائية فرجينيا او الكاتبة الارجنتينية مارتا لينيش والروائي الايطالي سيزار بافيز او ارنست همنغواي والشاعر اللبناني خليل حاوي والقائمة تطول رغم اختلاف المسببات.

وقد يكون اليأس والاغتراب الذي عاشه الراضي هو الدافع وراء  ذلك فصديقه المقرب الكاتب والصحافي حمزة مصطفى يذكر ان مهدي علي الراضي كان مغتربا من الداخل وفي الداخل ومرعوبا من شيء ما ، فضلا عن احساسه الدائم بالغبن سواء كان ذلك في العمل ام في الحياة العامة .

دار بيني وبين مصطفى حديث طويل ايام كان يعمل في جريدة الناس عام 2011 فذكر لي عنه الكثير بادق التفاصيل حتى لقاءاتهم الظريفة التي كانوا  يقضونها معا التي استمرت حتى خروجه الاول من العراق.

يقول مصطفى: .كنت غالبا ما ازروه في عمله ونخرج معا ،كان مهدي علي الراضي طفلا كبيرا فوضويا جميلا ومشاكسا محبوبا ، يذكر مصطفى ان الراضي شخصية نادرة بكل المقاييس صريحا لحد اللعنة ورغم ان  شخصيته تظهره بانه لامنتمي ولكنه تقدمي الفكر وكتاباته كانت تعكس هذا الانتماء الفكري وقد حاربه الكثير في تلك الفترة من اجل ذلك ، يقول ان مهدي كان مسرحيا وروائيا من الطراز الاول وكان من اقرب الاصدقاء لنفسي رغم ان شخصيتي وشخصيته كانت على طرفي نقيض  والسبب لان مهدي منفتح على الحياة بكل اساليب الانفتاح بينما انا اميل للمحافظة  وانا أعد رحيل مهدي هو خسارة لجيل السبعينيات وكل المؤسسات الفكرية  والثقافية في الحاضر والماضي كما يهمني ان اذكر ان مهديا ومنذ بداياته كان يرى هذه الايام ويراهن كثيرا على التغيير واعتقد ان العديد من عاشروه واقتربوا من حسه يعرفون ذلك.

لا اخفي ان التفاصيل التي استحصلتها عن الراضي كثيرة جدا ومليئة بمحطات مبدعة وعسيرة مرة اخرى ، وانا هنا لا استطيع ان اطلق على مهدي التعبير الوجودي الذي يعتقد ان حالات الانتحار تكون مسبوقة “بالانتحار الجزئي” ازاء الانعزال وعدم متابعة مشاكل الحياة العامة فمجايليه ينقلون عكس ذلك تماما لكن ما كتبه في حفلة اعدام روايته التي طبعت طبعة اولى في دمشق وهي الان شبه المفقودة الا من القلائل الذين يحتفظون بها لقيمتها كان قد سجل فيها حالات اعتراض على الحياة وقسوتها وعن حالات الموت التي يتعرض لها الانسان جراء التغييب او وصوله لقناعات معينة قد لا تتحقق في مجتمع ما.

ولد مهدي علي الراضي كما يروي لنا ابو علي ابن عمه وصديقه المقرب في بغداد من عام 1950في منطقة الشاكرية في كرادة مريم وهي عبارة عن اكواخ طينية وفي بداية الستينيات انتقلت العائلة الى مدينة الثورة (مدينة الصدر حاليا)وكان ان توفي والده قبيل هذا التاريخ وعانى ما عانى من شظف العيش  والحياة .وفي عام 1967  التحق بالجيش متطوعا في معسكر الرشيد وفي تلك الفترة تحديدا انصبت اهتماماته على المطالعة وخاصة الادب وصارت اهتماماته بالادب تزداد شيئا فشيئا وفي منتصف السبعينيات تم طرده من الجيش بعد ان سجن فترة بسبب اتهمامه بالانضمام للحزب الشيوعي  وبعد خروجه من السجن عمل في جريدة طريق الشعب ومن ثم صار يتنقل بين الصحف والمجلات منها مجلة الثقافة التي كان يديرها الدكتور صلاح خالص وبعده في الاذاعة والتلفزيزن ثم جريدة الجمهورية وفي تلك الفترة المحصورة بين عامي 75و97 نشر الكثير من القصص القصيرة وأول قصة نشرها في مجلة الكلمة مع حميد المطبعي كما نشر في مجلة الاديب المعاصر في عددها الاول والتي كانت تعنى بأدب الشباب وكان من الكتاب الذين تصدرت كتاباتهم العديد من الصحف والمجلات في ذلك الوقت واغلبها قصص قصيرة كما فاز في الجائزة الاولى لمسرحية( السجن ايضا للشباب). علاقته في البداية كانت مع عبد الامير الركابي وعمل في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكانت له علاقة وطيدة ايضا مع الشاعر المرحوم عبد الامير الحصيري وكثير من الادباء كان اخرهم القاص جمعة اللامي .

ويروي ابن عمه ان مهديا كان منذ الطفولة فوضويا ولايهتم باي شيء وخاصة عندما كان في الجيش فانه لايهتم بالمظهر .ومن الذي اذكره كان مهدي ياتي الى بيتنا  ليلا ودون انقطاع ويجعل من البيت هرجا مرجا وفي النهاية ياخذ اخي الصغير راسه ويفتح الماء عليه بينما والدي كان يرفض اي شخص  يسيء الى مهدي بسبب علاقته القوية مع اخية حيث كان يحبه حبا جما .وكان مهدي مشاكسا ويحب ان يمازح النساء العجائز من القريبات وفي عام 1970 تحديدا سافر مهدي الى الخارج ولم نعرف مكانه ولا اي خبر عنه حتى نهاية التسعينيات علمنا انه في سوريا ومن ثم سافر الى امريكا ولاتزال زوجته واولاده هناك وهم حيدر وميسان .

بعد عودته الى العراق عام 2005 لم يمكث مهدي على الراضي طويلا حتى عاد الى مستقره الاخير ” سوريا” الى ان انهى حياته بالطريقة الدرامية التي اختارها لنفسه حابسا كل امنياته بصدره الذي يتسع لجمال العالم ، تاركا اثرا بالغا ورصينا في تاريخ الادب العراقي الحديث سواء أكان ذلك في الرواية ام القصة ام في رحلته التي كان متمردا بها على الحياة التي تكشف جانبا مهما من تطوره الروحي والفكري فضلا عن قدرته على تخيل البيئة واحداث الحياة التي انتجت تدوينات عن زمن كان يحار كيف يصفه فكتب توريات عنه  بحوادث اكتست قوة النموذج الروائي ودراماتيكيته.