هل يقود فرض العزلة والجنون الكاتب للإبداع؟

تحقيق جعفر الناصري

قد تقود المبدع بعض الحالات الخاصة إلى الانفراد والعزلة نتيجة الظروف التي يلقاها المبدع في الحياة بما فيها من جمال وإحباط وخسائر ونكسات يتعرض لها تقوده إلى الذهول والصمت في بعض من الاحيان أو التحليق في فضاءاته الأخرى ، وكل هذا يفرض عليه جوا خاصا قد لا يفقهه غيره ولعل الجنون والصمت والعزلة قد أنتجت وهيأة عند البعض من المبدعين أسباب التألق التي تبتكر بدورها لغة جديدة غير مفهومة عند الكثير الذين تآلفوا مع روتين الحياة.

يقول الكاتب والصحافي محمد مزيد إن المبدع يميل إلى فرض العزلة حول نفسه لان عملية الإنتاج تحتاج في كل الأحوال إلى الوحشة والجنون ,والتحليق في الفضاءات الميتافيزيقية , وغالبا ما يكون المبدعون الكبار هم أكثر الناس شعورا بالتفرد والوحشة ذلك لأنهم يعيشون براري الذات مجهولة الافاق والإبداع كما اعتقد هو نتاج هذه الوحدانية.

 

فيما ذهب في راي اخر الكاتب محمد جواد سنبه بان المبدع هو الذي يعيش حياة مجتمعه بكل تفاصيلها وهو يعمل بكل فكره واحاسيسه ومشاعره لاستنباط الحلول الناجعة لتلك المشاكل، ومن هنا ندرك ان الابداع هو حالة منبثقة من فهم عميق ووعي كبير للواقع وهذا يثبت ان المبدعين هم اشخاص غير انعزاليين يؤثرون الانفراد بذواتهم اوالعزلة بانفسهم.

 

الكاتب والصحافي علي السومري يرى ان الوحدة ليست شرطا للابداع ، وان تكن في حالات معينة ضرورة لاجترار خلق جديد قديم يعتمل هناك ,في اقاصي المعنى الغائر في الوعي, يقول السومري ان الكثير من المبدعين لايستطيعون الكتابة ان لم يكن هناك بعضا من الفوضى المعينة قربهم واذكر لك مثلا الكاتب المصري اسامة انور عكاشه عندما كان يشعر بحاجته للكتابة يذهب الى الحارات المتخمة بالبشر يستمع الى صيحاتهم وكانما كان يوظف هذا الضجيج كموسيقى تصويرية تجذب المكنون في صدره ,اما عن الوحدانية فيعتقد السومري انها نتيجة الشعور بالاغتراب ,الاغتراب القاتل الذي يشل حركة المبدع ولايدعه يتأقلم مع محيطه ,هكذا يشعر الكثير وذلك مرده الى حساسية مفرطة عادة ما يتحصن فيها المبدع والتي تجعله مختلفا عن الاخرين اما اذا كانت عملية الانتاج تحتاج الى فرض الجنون والوحشة مثلا فهنا سندخل في ممارسة الكذب والاصطناع ,هل عليً ان ادعي الجنون لكي اكتب؟

اعتقد باني لست مظطرا لذلك .لكن هيئة الكاتب وتأمله في عوالمه الداخلية كثيرا ماتجعله ينفصل عن محيطه ما يجعل الاخر يشعر بان هذا المبدع بعيد عما يجول بقربه والمبدع ميال كثيرا للتفكير في الما بعد وهو ليس اسير لحظته الانية بقدر ماهو مسحور بالماورائيات, الوجود ,الحياة, الموت,معنى الاشياء التي تحاصره ,مثل الوقت,الزمن ,او الامور التي تجعله عاجزا تماما مثل الموت,كل هذه الامور تجعل المبدع بعيدا عن محيطه ويفكر بالجملة ,وهنا اتذكر بيت شعر للمتنبي يقول فيه .ذو العقل يشفى بالنعيم بعقله…واخو الجهالة بالشقاوة ينعم.يقول السومري ان الوعي محنة ,محنة تفقدك الاصدقاء والاحبة ,محنة تجعلك تواجه مصيرك منفردا كما هو الحال في إنتاج الثقافة فهي نتاج فردي.

ويذهب الشاعر علي خصباك الى ان هناك اتفاق بتمتع المبدع باحساس مرهف ومزاج يصل في بعض الاحيان الى ان يكون مزاجا وعرا وهذا بحد ذاته يحتاج الى مناخا من نوع خاص يجد فيه ضالته وهو التماهي مع النص الذي يكتبه فيسعى جاهدا الى اختيار المكان الافضل والبيئة التي تمهد له الامساك باللحظة التي يبحث عنها لذلك تراه يبتعد عن المحيط العام باحثا عن محيط خاص تتداعى فيه افكاره لخلق نص يسعى الى ان يكون متكاملا حسب ظنه وهو بتكرار هذا النمط السلوكي سيكتسب صفة الديمومة فيصبح هذا المبدع حسب نظر الاخر(معقد) او انعزالي لذلك نرى ان اغلب المبدعين غريبي الاطوار وهناك من الامثلة الكثير اذا تابعت سيرة اي مبدع معروف خاصة على الصعيد العالمي . ويتابع خصباك ان البيئة الحقيقية الخلاقة هي التي لها القدرة على استيعاب هؤلاء الكبار المبدعين ، والتعامل مع نمطهم السلوكي كعبقرية خلاقة صانعة للحضارة,وتهيئ لهم حتى مستلزمات غرابة الاطوار لتخلد ابداعهم وتتباها بما انتجوه على عكس عالمنا العربي بل وحتى في الكثير من الدول التي تعيش في التخلف وبالتالي فان المبدع في هكذا بيئة سيقوده ابداعه الى الجنون ربما او الى النكوص والانكفاء او الاحباط في اقل تقدير .الابداع هبة كبيرة خاصة في مجال الثقافة والفكر ومزاج وسلوك المبدع هو جزء من هذا الابداع والتعامل معه على انه نقيصة او عيب هو قتل حقيقي للابداع وعلى المستويات كافة .لماذا اذن يكون الانعزال مرضا ؟انا ارى العكس لانه صفة قد تكون ملازمة للكثير من المبدعين شرط ان لا تكون مفتعلة يمارسها عديمو الموهبة لغاية في نفوسهم ولكن لن تتحقق غايتهم لانها بالتاكيد ستقودهم الى الجنون الخالي من اي ابداع.