رحيل بطعم المرارة لعالم السومريات الكبير الدكتور فاضل عبد الواحد

خاص- واع

منذ طفولته عشق حضارة سومر وأحب سيرة البطل كلكامش، التي ورثها من أستاذه الدكتور طه باقر، وكما كانت الملحمة تبدأ بالبيت الشهير “هو الذي رأى كل شيء”، فقد رأى عالم السومريات الدكتور فاضل عبد الواحد علي في أستاذه طه باقر انه الذي يعرف كل شيء.
فلسلفته لم تتجرد يوما عن عراقيته الماضية والحاضرة ولم يخلع ثوب سومر عن جسده رغم تجواله في العديد من البلدان عاش في عمق الوطن وعشق ارض الرافدين بجبالها وسهولها، حياته العلمية لم تشبه هدوئه بل كانت عامرة وثائرة تفتش في اروقة الزمن عن تاريخ هذه الارض لتكشف عن عراقتها ودورها في بناء الحضارات.
فاضل عبد الواحد أسم تخطى حدود الوطن وفكر تشبع بثقافة الارض، هذا العالم والمفكر رحل يوم أمس الأحد، بعد أربعة عقود عاشها نجماً في الأوساط الثقافية باحثاً في تاريخ بلاد الرافدين.
ولد فاضل عبد الواحد في مدينة البصرة عام 1935، وتتلمذ في مدارسها، قبل أن ينتقل إلى بغداد ليكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب والعلوم قسم الآثار و الحضارة عام 1953، حيث درس على يد نخبة من رواد علم الآثار العراقي.
حصل على البكلوريوس في علم الآثار من جامعة بغداد في العام 1957 وحصل على بعثة دراسية في الولايات المتحدة وانتقل إلى هناك ليكمل دراسته العليا في جامعة بنسلفانيا على يد العالم الكبير الأستاذ “سامويل نوا كريمر” أستاذ السومريات و تمكن الدكتور فاضل عبد الواحد من الحصول على شهادة الماجستير في مادة السومريين وآدابهم في عام 1960 و من ثم الدكتوراه في فلسفة الآثار عام 1963 ونشرت له جامعة بنسلفانيا في عام 1964 كتاب بعنوان “رسائل سومرية” وهو مجموعتين من المدارس البابلية القديمة بحجم 310 صفحة.
بعد حصوله على شهادة الدكتوراه عاد فاضل عبد الواحد الى العراق ليعمل استاذا في جامعة بغداد ليكون بوصلة مهمة توجه اجيال جديدة من الآثارييين العراقيين.

اهميته الفكرية
تكمن أهمية الدكتور فاضل عبد الواحد في كون إختصاصه في السومريات، و معرفته باللغة السومرية بالإضافة إلى اللغات الأخرى كالأكدية و الآرامية ما جعله واحدا من القلائل الذين يجيدون قراءة هذه اللغة بسهولة، وما فعله الدكتور فاضل هو إستغلال هذه الخاصية وتوظيفها بالطريق الصحيح لينتج نتاجا تميز به عن غيره.
وتميز بدراسته للنصوص السومرية المحفوظة في المتحف العراقي تلك التي لم يتعرض لها احد و التي لم يعرف معانيها ابدا، فكان ينقب فيها و يقارن ويترجم ليضيف نصوصا جديدة لنتاجنا الأدبي او العلمي القديم معدلا او مكملا لإسطورة هنا وأسطورة هناك ناشرا كل ابحاثه و مكتشفاته في كتبه او في اهم المجلات انذاك منها مجلة سومر ما جعله مرجعا في الحضارة السومرية.
مؤلفاته
للعالم والمفكر الدكتور فاضل عبد الواحد عشرات المؤلفات المهمة والتي اختصت بالسومريات والتي ناقش فيها اصول السومرين وعاداتهم ولاهوتهم وآدابهم و اصدر مجموعة من المؤلفات المختصة غير العامة اهمها:
– عشتار و مأساة تموز
– الطوفان في المصادر المسمارية
– عادات و تقاليد الشعوب القديمة
– من الواح سومر إلى التوراة
– سومر أسطورة و ملحمة
– تاريخ العراق القديم
– شارك في تأليف موسوعة العراق في التأريخ
في كتاب عشتار و مأساة تموز تناول عشتار بصورتها الأكبر أي كونها آلهة أنثى فيناقش الأعتقادات الأولى بالآلهة الأم و تطور نظريتها و من ثم تقولبها في عشتار و يناقش اهميتها لدى العراقيين القدماء كونها آلهة الخصب و يتكلم عن بعض الطقوس لما يعرف بالزواج المقدس اوقاته واسبابه و كيف كانت ممارسته و ينتقل إلى دموزي ليتكلم عنه وعن علاقته بخصوبة الحياة القديمة و كيف تفسر الأسطورة على ارض الواقع من موت و حياة دموزي الدورية و كيف تتم ممارسة طقوس الحزن عليه بعد موته و من ثم كيف يعيش مرة أخرى و كيف ينبت من الأرض كما تنبت الأشجار و من ثم ينقل النص الكامل لنزول عشتار للعالم السفلي.
اما في كتابه الطوفان فناقش موضوع لازال يثير الجدل حتى اليوم ألا وهو الطوفان و واستطاع ان يحيط بهذا الموضوع من كل جوانبه، اولا ناقشه ميثولوجيا في كل من النسخة السومرية و البابلية و تلك التي في ملحمة كلكامش و تلك التي وردت في التوراة و يناقش و يشتق المعلومات التي ترد في كل تلك النسخ و ما تشير اليه من عقائد و إيمانات و يصف بدقة ماحصل على وفق تلك المصادر و من ثم يناقش الأمر علميا و يتعرض للإستكشافات الأثرية التي أكدت او نفت حدوث الطوفان و بعض آراء الآثاريين الذين بحثوا في هذه الحادثة.