هل العراق على عتبة مرحلة جديدة؟

 

د . قيس العزاوي

يقدم الخبراء الاوروبيون عبر تقاريرهم السنوية التي تنشر في بداية كل عام رؤاهم عن الاوضاع الدولية عامة وما يسمى بمناطق التوتر خاصة ومن بينها منطقتنا العربية التي يشغل فيها العراق مكانة مميزة نظراً لحجم الاحداث التي شهدها منذ اربعة عقود .. ومن الملاحظ انهم يؤكدون هذا العام على ان العراق لم يبدأ باستعادة دوره العربي والاقليمي والدولي إلا في السنة الماضية التي تكللت بالنصر على الارهاب وتحرير المدن العراقية منه، ويبشرون بخبر تقدم العراق خطوات نحو مستقبل أكثر استقرارا ، وهو أمر يتطلب دعما دوليا.

وبناء عليه فهم يرحبون بقرار الاتحاد الاوروبي الاخير بدعم العراق من خلال اعتماد ستراتيجية اوروبية جديدة في هذا الشأن، وتتلخص هذه الستراتيجية في عدة نقاط: أولها تعزيز النمو الاقتصادي والحكم الرشيد وتطوير النظام القضائي، فضلاً عن العناية بالتعليم. ثانيها الدعم الحالي والمستقبلي من الاتحاد الاوروبي للعراق مع الاخذ بعين الاعتبار اولويات الحكومة العراقية ، وثالثها تنفيذ ما أقر في تشرين الاول الماضي والخاص باطلاق بعثة مدنية أوروبية لإصلاح القطاع الأمني في العراق.

ولو سارت هذه الستراتيجية نحو التحقق فسوف تعيد الامل في نفوس العراقيين عامة، فلنتأمل .. يقول عقلاؤنا لولا الامل لضاقت فسحة الحياة، ولقد وصلنا بفعل ما حدث في البلاد من اشكال البلاء الى طرح الاسئلة الاستغرابية من مثيل: هل من السذاجة ان نستسلم لفكر التفاؤل وحسن النية؟ هل يمكننا التعويل على أمل التغيير؟

ألم يقل لنا ألبير كامو “كل بؤس الإنسان يأتي من الأمل”!! والاجابة المرهقة لغضبنا الكامن تدعونا الى التأني وادراك ما حدث، فمن كان يجزم بأننا سنستعيد مدننا المحتلة ونحرر شعبنا من ارذل عصابات التطرف بهذه السرعة ؟ ألم يستعد الغيارى من ابناء شعبنا كرامتنا المهدورة فكانوا نموذجاً للفداء والوطنية؟ فهل يمكن لهؤلاء الغيارى وغيرهم ان يواصلوا طريقهم الوطني باعادة اعمار البلاد والعباد ؟ وبخاصة بعد ان قادنا الانتظار للاعتقاد بأن افكار جان جاك روسو عن حرية الإنسان، والمساواة، وسيادة الشعب قد اندحرت في عراقنا، ولكنها- والحمد لله- لم تنتحر بعد، فالنهوض يبدأ بعد الانحدار. دعونا اذن نحلم بالتغيير، ألم يقل الامام علي عليه السلام: من لم يحلم ندم.. ومن صبر غنم.. ومن خاف رحم.. ومن اعتبر أبصر… ومن أبصر فهم.. ومن فهم علم.

ربما يكون الحلم الذي يدغدغ وسادات عموم العراقيين كل يوم هو نهاية الكابوس الذي جثم على صدورهم طيلة قرابة اربعة عقود من التعسف والعنف في الداخل والخارج والفساد والمحسوبية والغياب المريب لدولة القانون والمؤسسات في القرن الحادي والعشرين، دولة ترسخ فكرة المواطنة التي غابت كل هذا الوقت وغاب معها نظام الدولة المعاصرة، الدولة المدنية الوطنية وليست دولة العصبيات والطوائف والعشائر، دولة فصل السلطات التي تقوم على توفير السلم الاهلي والتسامح وقبول الآخر، دولة المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين . تطورت الانظمة السياسية في دول اوروبا بعد الحرب العالمية الاولى فشهدت البشرية منذ قرن من الزمان ولادة الدولة الوطنية الحديثة دولة المسؤولية الاجتماعية التي تعولمت جراء تشابك مصالحها الاقتصادية، فانتجت دولة السوق المشتركة كمثل ما حدث في اوروبا التي اقامت نظاما اتحاديا فيدرالياً على الرغم من اختلاف قومياتها ولغاتها وخصوماتها التاريخية التي احدثت حربين عالميتين لاقتسام ثراء العالم استنادا الى مبدأ القوة.. ومع ذلك حققت لمواطنيها الرفاه والرخاء والامن والديمقراطية. فأين نحن من ذلك؟ هل نحن اليوم على عتبة مرحلة جديدة؟ هل يحق لنا الحلم بمثل هذه المرحلة على الرغم من خشية انسداد الافق السياسي ؟ يحدونا الامل ان المنطقة الشرق اوسطية بأسرها تواجه احتمالات التغيير اكبر من مخاوف التدمير! والاوضاع الاقليمية وان بدت متشنجة فهي في الوقت نفسه آيلة الى التوافق.. ألم تفشل محاولات الفتنة الطائفية والنزعات الانفصالية والاحتلالات الارهابية بفعل الارادة الوطنية وتوافق الدول الاقليمية والدولية وعدم السماح بجرها الى هاوية الحرب والتقسيم والتطرف.. فلنحلم معاً بمرحلة جديدة فمن لم يحلم ندم.